العرب وفرصة المُحادثات الأمريكية الإيرانية

خطوة غير مسبوقة ومفاجئة فتحت آفاقاً جديدة في العلاقات الأمريكية الإيرانية وبين دول المنطقة، هذه المفاوضات، التي تجري بعد سنوات من التوتر والعداء بين واشنطن وطهران، لن تُعيد صياغة العلاقات الثنائية فحسب، بل ستُتيح أيضاً فرصة تاريخية للدول العربية في مجلس التعاون الخليجي.
تواجه الدول العربية، وخاصة دول الخليج، الآن لحظة استراتيجية: فمن جهة، يُمكنها استغلال فرصة المفاوضات لتسريع خفض التصعيد وتحسين العلاقات مع إيران؛ ومن جهة أخرى، يجب عليها مقاومة الإجراءات الاستفزازية الإسرائيلية، التي دأبت على تأجيج الأزمات الإقليمية.
يمكن أن تُشكّل هذه المحادثات أداةً حاسمةً لاحتواء سلوك إسرائيل العدواني، الذي لطالما كان مصدرًا لعدم الاستقرار المزمن، في نهاية المطاف، يمكن للمفاوضات مع إيران أن تُعزز الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط، مما يُمكّن الدول العربية من السعي نحو الدبلوماسية الإقليمية بفعالية أكبر، وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية من الفوضى التي تُهددها.
هذا منعطفٌ حاسم، وعلى دول الخليج اغتنامه للعب دورٍ أكثر فاعلية في تشكيل مستقبل المنطقة.
قد يُمثّل استعداد ترامب للتفاوض مع طهران نقطة تحول، فبدلًا من إثارة قلق دول الخليج العربية، ينبغي النظر إليه كفرصةٍ لتعزيز الدبلوماسية مع إيران وتخفيف التوترات الإقليمية المزمنة، لقد تركت عقودٌ من العداء بين إيران وعدة دول عربية - من الصراعات في اليمن والعراق إلى لبنان - المنطقةَ هشةً، مع تكاليف بشرية واقتصادية باهظة.
(أولا ً) يمكن للدول العربية استغلال هذه الفرصة لدفع المفاوضات المباشرة مع إيران حول قضايا رئيسية مثل أمن الخليج، وإنهاء الحرب في اليمن، وإنشاء آليات للتعاون الاقتصادي.
هذا النهج لا يخفف عبء المواجهة المباشرة عن كاهل العرب فحسب، بل يقلل أيضًا من احتمالية نشوب صراعات بالوكالة، مما يمهد الطريق لاستقرار طويل الأمد، على سبيل المثال، يمكن لاتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني أن يخفف المخاوف الأمنية الخليجية، مما يسمح لها بتحويل التركيز من الردع العسكري إلى التنمية الاقتصادية والمشاريع الجيواقتصادية.
في هذا السياق، يمكن للوسطاء الإقليميين مثل عُمان وقطر - اللتين لهما تاريخ طويل في تسهيل الحوار - أن يلعبوا دورًا حيويًا في تعزيز هذه الدبلوماسية، يجب على الدول العربية اغتنام هذه الفرصة والانخراط بشكل استباقي في محادثات موازية مع إيران لجني ثمار الاستقرار الإقليمي.
(ثانياً) على الجانب الآخر من المعادلة، تشكل إسرائيل تحديًا خطيرًا لهذه العملية الدبلوماسية، غالبًا ما تلجأ إسرائيل إلى إجراءات أحادية الجانب - مثل توجيه ضربات عسكرية في جميع أنحاء المنطقة أو الضغط من أجل تشديد العقوبات على إيران - مما يجعلها مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار، قد تُضعف المفاوضات الأمريكية مع إيران ذرائع إسرائيل للمغامرة العسكرية من خلال تخفيف التوترات النووية ووضع أفعالها تحت الرقابة الدبلوماسية الدولية.
(ثالثاً) بالنسبة للدول العربية، يُمثل هذا التحول فرصةً لتعزيز مبادرات بناء الثقة التي تُلزم كلاً من إيران وإسرائيل بمعايير الاستقرار الإقليمي.
على سبيل المثال، قد يضمن تخفيف حدة التوترات مع إيران أمن طرق التجارة الرئيسية في الخليج ومضيق هرمز - وهي طرق حيوية للاقتصادات المُصدرة للطاقة مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وستكون المشاريع الضخمة، مثل رؤية المملكة العربية السعودية 2030 أو خطط البنية التحتية في الإمارات العربية المتحدة، والتي تعتمد على الاستثمار الأجنبي والتنويع الاقتصادي، عُرضةً للخطر الشديد في حال نشوب صراع مع إيران أو استفزاز من إسرائيل، ويمكن للمحادثات الأمريكية الإيرانية أن تُقلل من هذه المخاطر وتُمكّن الدول العربية من السعي لتحقيق التنمية الاقتصادية بثقة أكبر.
(رابعا ً) علاوة على ذلك، فإن احتواء استفزازات إسرائيل من خلال الضغط الدبلوماسي الدولي من شأنه أن يساعد على منع تصاعد الحروب بالوكالة في دول مثل لبنان والعراق، مما يسمح للدول العربية بإعادة توجيه مواردها من الإنفاق العسكري إلى التنمية والرعاية الاجتماعية، بدلاً من الخوف من تحول في السياسة الأمريكية، ينبغي على الدول العربية أن تنظر إلى هذه اللحظة كفرصة لإعادة تعريف علاقاتها الإقليمية، ومن خلال الدبلوماسية النشطة، لمنع جهات فاعلة مثل إسرائيل - أو أي قوة خارجية أخرى - من تعريض مصالحها الجيواقتصادية واستقرارها الإقليمي للخطر.
يتطلب هذا النهج التنسيق بين دول الخليج ودعم المجتمع الدولي حتى تتمكن المنطقة، بدلاً من التأرجح على حافة الصراع، من المضي قدماً نحو التعاون.
باختصار .. يقف الشرق الأوسط على شفا تحول جذري، ولا يمكن للعرب أن يظلوا مراقبين سلبيين، إذا اقترنت المفاوضات الأمريكية الإيرانية برؤية استراتيجية عربية، فإنها قد تُخفف التوترات، وتُساعد على احتواء إسرائيل، وتُعزز الدبلوماسية الإقليمية.
يجب على دول الخليج اغتنام هذه الفرصة، ودفع جهود خفض التصعيد مع إيران، وإثبات قدرتها على العمل كلاعبين مستقلين يُسهمون في بناء مستقبل مستقر للشرق الأوسط - لا مجرد تابعين لواشنطن أو مُشاهدين لمناورات تل أبيب.
Trending Plus