خالد دومة يكتب: غزة وبشاعة العالم

يقف اليهود ومن ورائهم حشود من رؤوس الأموال الضخمة، والصحافة والإعلان، والدول والمؤسسات، وأرباب المصالح وأسلحة مُعلنة وخفية، وشراء ذمم ونفوس، ولا تألوا جهدا في شراء أي شيء، يساعدها في تحقيق أطماعها فكل وسيلة مهما كانت صعبة أو مستحيلة تذللها إسرائيل، وتجعلها واقعا ملموسا، وإنها لتحشر نفسها في كل شيء، بغية أن تمتلك وتسيطر على زمام الأمور، وتجعل لها الكلمة العليا، فيما تريد وتفرض وتخلق لها مناصرين وأتباع، تجند الجميع في نجاح قضاياها الزائفة.
إن ما يحدث في غزة، لا يدل على بشاعة إسرائيل في الانتهاك والظلم والقتل والتشريد فقط، إنما يدل أيضا على بشاعة العالم، الذي نعيش فيه، الذي يصمت أمام ما يحدث لهؤلاء، الذين لا يملكون أقل القليل من كرامة الإنسان وحقوقه، يُرى وهو يُنتهك ويُضرب ويُقصف، ولا حياة لمن يرى الدماء تسيل، والأرواح تُزهق، وتتناثر الأشلاء، على مرأى ومسمع من العالم.
أليس ما يحدث في غزة دليل قوي على طفولة الحضارة، إنه لا حضارة، وإنما ندعيها، ونلتصق بها زورا وبهتانا، إن ألسنة النار التي تُشعلها إسرائيل، والهدم والتحريق والغبار وسفك الدماء أمام أنظار العالم، الذي يمصمص شفتيه، ويحوقل ولا يحرك ساكنا، أمام جبروت وطغيان لا يتوقف، لهو دليل على أن الحضارة لامست منا المظاهر، ولم تلامس العقول والنفوس البشرية، إذ أنها تبدو أكثر تخلفا وحيوانية، ماذا يريد العالم ليتحرك نحو قضية إنسانية؟ وظلم بيّن؟ إنه يناصر الباطل، ويقف أمامه عاجزا، أيعقل أن شرذمة من البشر، التي ملأ قلبها الحقد والأنانية، يقلقون مضاجع العالم، لازال الإنسان ينقصه الكثير، كي ينضج، ويحفز فيه قوى مناصرة الحق، بقطع النظر عن صاحبه، ما زال المال يتحكم، والقوة تأمر، فتطاع دون وعي ولا روية، مازالت ضمائر العالم ميتة، إذا صرخت إسرائيل في وجهه، مالت رأسه والعار يكلل جبينه، ويتساقط لحم وجهه في خزي كبير، إن غزة أثبتت بشاعة النفوس البشرية، فلا تحملك رؤية المظاهر، ومعسول الكلمات عن قول الحقيقة، إن وجه العالم مشوّه، ونفسه غارقة في النتن، تفوح منها رائحة مقززة تنفر منها كل نفس إنسانية، لازالت تحتفظ في نفسها بشيء من روح العطف والمحبة.
إن صرخات المفجوعين، التي تدوي في آذان العالم، ولا ترحمه، وتتعامى عنه، لهى دليل صارخ على أن قيادة العالم، ومن يتحكمون في حركة التاريخ لطغاة، وإن لبسوا قشرة الحضارة، وتشدقوا بكلمات السلام، وهم يطعنونه بأيديهم من ظهره بكل قسوة، وبلا شفقة، ولا أدنى رحمة .. غزة تحترق ويفنى بنوها، أمة من الناس تلهث وتستغيث، وتتعثر، وغبار البنادق والرصاص من حولها لا يرحم، تفر وتلاحقها مطاردة عنيفة، من أيد بشرية لا تجيد سوى الذبح والتحريق والإنتقام من أوهام صنعها خيال مريض متطفل، لص سرق الأرض والحلم، وهو يدّعي إنه يدافع عن حقه وأرضه، وإذا بالعالم يربت على كتفه ويساعده بالسلاح والمال والصمت والعمى والكفران والجحود للحق، فينضم العالم إلى الطغاة، يشد من أزرهم، وينفخ في بوق الحروب الغير متكافئة، لشعب لا يملك إلا الصمود، أمام ما يحدث له، وهو يُجرد من كل شيء، ويُطرد، ويزحف نحو المجهول، مهلهل الثياب، ودمه يتناثر فوق أرضه، شعب برمته يساق بقوة غاشمة إلى الطرد من داره وبيته وأرضه، ليكون عالة على أرض غيره، ثم تكون أرضه لغيره، ينعم فيها بما حرم هو منه، حقه يُغتصب ويُمتهن كل هذا الإمتهان، ويضرب بعصى الجبروت ليحمله على الرحيل والتهجير. يالا خيبة العالم وخيبة الحضارة.

Trending Plus