الشلل الرخو مرض نادر يصيب سكان غزة نتيجة الجوع والمياه الملوثة.. متلازمة «غيلان باريه» تقتل 3 أطفال.. وإحدى الأمهات: حكم على ابنى بالحياة مشلولا.. ومصاب: انعزلت عن الجميع بمن فيهم أسرتى تجنبا لنظرات الشفقة

- «الصحة الفلسطينية»: 95 إصابة مؤشر على كارثة حقيقية.. وتحذيرات من انتشار المرض على نطاق واسع بسبب تلوث المياه ونقص الإمدادات الطبية
الوجوه شاحبة، والأجساد نحيلة، والمبانى مهدمة، والبنية الأساسية محطمة، والذكريات تلاشت، والأنوار أطفئت على قصص المعاناة بسبب الحرب الشعواء التى يشنها الاحتلال الصهيونى ضد المدنيين العزل المحاصرين، المحرومين من الغذاء والدواء فى قطاع غزة، حتى صار الآلاف يعانون من سوء التغذية، وتساقط المئات فى سجل الضحايا بسبب الجوع.
ومن الآثار البشعة للحصار ظهور العديد من الأمراض التى تفتك بالأهالى، ومنها متلازمة «غيلان باريه» التى بدأت تتفشى وتنتشر بشكل كبير بين السكان بما فيهم الأطفال.
والمقصود بمتلازمة «غيلان باريه» أو الشلل الرخوى الحاد، هو مهاجمة الجهاز المناعى للأعصاب، يبدأ معها الشعور بألم ووخز حاد فى أطراف اليدين والقدمين وعدم القدرة على تحريكهما وضعف شديد بعضلات الوجه، وصعوبة الكلام أو المضغ أو البلع وتشنجات عضلية، وتسارع ضربات القلب وصعوبة فى التنفس بجانب عدم السيطرة على حركة الأمعاء والمثانة، وقد يتطور الأمر فى حال عدم التدخل الطبى العاجل إلى شلل تام.
وفى ظل الحديث عن العجز الكبير فى المستلزمات الطبية تكون المعاناة أكثر صعوبة، ومقاومة مثل هذه الأمراض ضربا من الخيال.
وبحسب وزارة الصحة فى قطاع غزة، تم تسجيل 95 حالة إصابة بمتلازمة «غيلان باريه» خلال الفترة الأخيرة، من بينها 45 حالة لأطفال، فى حين سجلت 3 وفيات.
ضحايا الشلل الرخوى
يشعر المريض بإعياء حاد وثقل فى قدميه وتنميل فى يديه مع عدم القدرة على بذل المجهود، وهى أعراض شعر بها الشاب «غسان الجايح» الذى تصور فى البداية أن هذه أعراض إرهاق سرعان ما ستزول ولكنها أخذت فى التطور فالتنميل تحول إلى وخز حاد وألم حاد فى كامل جسده نقل على إثره إلى المستشفى وبعد الفحوصات الطبية أكد الأطباء إصابته بمتلازمة «غيلان باريه» أو فيما يعرف بالشلل الرخوى الحاد.
يعمل «غسان» فى الحجامة والمقصود بها إحدى الوصفات أو طرق لعلاج إرهاق الجسد وفى بداية أصابته بتلك الأعراض بدأ الشاب العشرينى فى إجراء حجامة لنفسه، ظنا منه أنها أعراض إرهاق سرعان ما سيزول ولكن بدأت الألام تجتاح جسده بالكامل وعجز جسده بالكامل عن الحركة بحسب قوله.
ويضيف «غسان» الأب لبنتين وينتظر المولود الثالث: كنت فى الماضى أتمتع بجسد قوى وأمارس عملى بجد، ونشاط كبير لرعاية أسرتى المكونة من والدتى وزوجتى وابنتين، ولكن الآن تحولت إلى جسد نحيل وأطراف جامدة لا تتحرك عاجزة عن بذل أى مجهود لقد تحولت إلى رجل قعيد يحتاج إلى المساعدة فى أبسط الأمور.
قوى تلاشت
نائل الغفرى ضحية أخرى، كان منذ شهور قليلة فقط يزهو وسط أقرانه بجسده القوى وقدرته على بذل المجهود المضاعف دون الشعور بأى إرهاق أو مشقة قبل إصابته بالشلل الرخو.
بداية الإصابة تتمثل فى آلام فى يديه، وضعف فى عضلات كفية، وعدم القدرة على حمل أى ثقل مهما خف وزنه، أو الإمساك بشىء لفترة طويلة، ثم تطور الأمر لتنتقل الأعراض إلى ساقيه تمثلت فى الشعور بثقل كبير بهما، وعدم القدرة على تحريكهما إلا بصعوبة بالغة. تطور الأمر سريعا إلى العجز الكامل عن تحريكهما وهى أعراض لم يجد لها «نائل» تفسيرا ليكتشف بعد انتقاله إلى أحد المشافى إصابته بالشلل بحسب قوله.
وقال نائل الغفرى: «لم أستوعب فى البداية تشخيص الأطباء ولم أصدق، فظللت أصرخ فيهم بضرورة مراجعة الكشف والفحوصات مرة أخرى، حتى بدأت تدريجيا استيعاب إصابتى، وأن على التكيف مع وضعى الصحى الجديد».. لم تترك متلازمة «غيلان باريه» أو الشلل الرخو أثره على جسد «نائل» فقط وإنما أمتد إلى نفسيته أيضا حيث يفضل «الغفرى» الانزواء والابتعاد عن الناس وعدم مخالطتهم تجنبا لنظرات الشفقة حتى من أقرب الأشخاص إليه وهم أسرته .
ويقول الرجل الأربعينى العمر تحسنت حالتى الصحية جزئيا بسبب الرعاية الصحية التى تلقيتها على يد الأطباء برغم الأماكانات المحدودة واستطعت الوقوف على قدماى مجددا ولكن دون القدرة على تحريكهما.
الصدمة
ويقول براء الزينى أحد النازحين من قطاع غزة، والمنضم حديثا إلى قائمة المصابين بمتلازمة «غيلان باريه»: بعد تهدم منزلنا فى شمال غزة نتيجة القصف الصهيونى على القطاع نزحت مع أسرتى هربا من النيران وعشنا فى إحدى الخيام التى لا توفر حماية كافية سواء من البرد شتاء أو من حرارة الشمس خلال فصل الصيف، وكان علينا التكيف مع النقص الكبير فى المتطلبات اللازمة للحياة من عدم وجود مصدر قريب للمياه أو الصرف الصحى، فضلا على العيش فى بيئة غير صحية وسط القمامة والحشرات نتيجة لظروف الحرب التى يشنها العدو الصهيونى على أهالى غزة.
ويضيف «الزينى»: كان على القيام بمهام متعددة سواء بالبحث المضنى عن الغذاء أو الوقوف ساعات طويلة فى طابور للحصول على المساعدات الغذائية، أو بقطع مئات الأمتار سيرا عدة مرات ذهابا وإيابا لجلب الماء وهى أمور كنت أفعلها بجد كبير، فأنا العائل الوحيد لأسرتى، ولكن فى إحدى المرات خلال جلبى للماء فوجئت بسقوط برميل الماء من يدى وعدم قدرتى على رفعه أو الإمساك به وعدت إلى الخيمة بصعوبة بالغة منهك القوى وهو الشعور الذى انتقل إلى قدمى.
تم نقلى إلى أحد المستشفيات ليكتشف الأطباء إصابتى بمتلازمة غيلان بارية وهو مصطلح لم أستوعبه فى البداية فهو جديد على سمعى لأتفهم فيما بعد أن المقصود به هو إصابتى بالشلل.
وداع الطفولة
الطفل «صهيب» الذى لم يكمل عامه العاشر، ودع طفولته البريئة ولهوه نتيجة إصابته بالشلل.
وما يزيد من المأساه أن الطفل لم تبدأ إصابته بهذا المرض بشكل تدريجى وإنما كانت بشكل سريع، حيث اكتشف إصابته بعد استيقاظه من النوم، فلم يقو على مغادرة فراشة والعجز عن تحريك قدميه ويديه.
أعراض ظن فى البداية أنها نتيجة آثار ما بعد الاستيقاظ من النوم وسرعان ما ستزول، ولكنه اكتشف عجزه حرفيا عن مجرد النهوض من فراشه لينادى على أفراد أسرته لمساعدته، وتهرع به والدته إلى إحدى المستشفيات لتكتشف إصابته بعد إجراء الأطباء الكشف والفحوصات الطبية بالشلل.
وتقول والدته: «وقع على الخبر كالصاعقة فلم أتصور أن ابنى الذى لم يكن يكف عن اللهو واللعب والضحك تحول إلى قعيد لا يستطيع تدبر أبسط أموره، والأطباء أكدوا أن بعض الحالات تم شفاؤها بنسب متفاوته ولكن ما يعقد الأمر هو النقص الحاد فى التجهيزات والمستلزمات الطبية نتيجة الحصار الذى تفرضه قوات الاحتلال.
وفاة مبكرة
أمير ضهير طفل صاحب الـ6 سنوات لم يعرف من دنياه التى غادرها مبكرا سوى الألم والإحساس بالفزع وعدم الأمان فلم تشاهد عيناه سوى الهدم والتدمير ولم تلتقط أذناه إلا أصوات المدافع وقذف الطيران والنزوح من مكان لآخر هربا من الذئاب الصهيونية التى تسعى خلف المدنيين من قطاع غزة.
«أمير» الذى عانى من ويلات الحرب لم يسلم أيضا من آلام الجسد بعد إصابته بمتلازمة غيلان بارية» الذى أصاب كامل جسده مع صعوبة كبرى فى التنفس وبعد قضاء عدة أيام بأحد المستشفيات أسلم روحه إلى خالقها ليرتاح هذا الجسد الصغير من آلام المرض وقسوة المعاناة التى عايشها برغم عمره الصغير.
لم يكن الطفل الصغير خلال عمره القصير يعانى من أى أمراض فقد ولد بشكل طبيعى وكان يتدفق حيوية ونشاطا لا يكف عن اللعب واللهو، ولكنه أصيب بهذا المرض نتيجة الظروف القاسية التى مر بها والمعاناة مع العيش فى بيئة غير صحية سواء من نقص الغذاء أو انعدام النظافة وتراكم القمامة واختلاط ماء الشرب بالصرف الصحى نتيجة التدمير الكامل للبنية التحتية فى قطاع غزة، ومنها محطات المياة والصرف الصحى.
معاناة مبكرة
«عبدالرحمن الجديان» لم يكمل عامه الأول وحكم عليه بالعجز المبكر بعد إصابته بذلك المرض نتيجة النزوح المستمر وعدم توافر بيئة صحية والنقص الحاد فى المواد الغذائية والرعاية الطبية.
وتقول والدته: «لم أعرف بمرض ابنى إلا بعدما لفت نظرى وجود عدة مؤشرات ودلالات تيقنت بتعرض ابنى لأمر طارئ ومنها فقدان الشهية والأرتفاع الحاد فى درجة حرارته وعدم تحريك يدية وساقيه والشعور بالألم والبكاء المستمر ومع استمرار تلك الأعراض توجهت به إلى أحد المستشفيات واكتشفت وقتها أصابته بالشلل وفق ما أكدته الفحوصات الطبية مضيفة: «حكم على ابنى بالعيش مشلولا طوال حياته ولا أملك له شيئا».
لم تنته قصص معاناة سكان غزة مع متلازمة «غيلان باريه» فمن خلال بحث بسيط بمواقع التواصل الاجتماعى ومحرك البحث «جوجل» تنتشر عشرات القصص التى يرويها أصحابها حكايات مختلفة من المعاناة مع ذلك المرض سواء من خلال تجربة شخصية أو إصابة أحد أفراد دائرته القريبة.
من جانبها، حذرت وزارة الصحة الفلسطينية فى بيان لها عبر صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعى من ارتفاع خطير فى حالات الشلل الحاد ومتلازمة غيلان باريه بين الأطفال فى قطاع غزة نتيجة تفاقم سوء التغذية الحاد.
وأضافت الوزارة فى بيانها: «أن الفحوصات الطبية كشفت عن وجود فيروسات معوية بخلاف شلل الأطفال، مؤكدة وجود بيئة خصبة لانتشار الأمراض المُعدية.
وأفادت الوزارة بأنه تم تسجيل ما يزيد على 95 إصابة بهذا المرض وثلاث وفيات من الأطفال دون سن 15 سنة تُوفيت بعد فشل محاولات إنقاذها نتيجة عدم توافر العلاج اللازم بسبب الحصار.
وحذّرت الوزارة من أن استمرار هذا الوضع البيئى، وعدم توافر العلاجات اللازمة يهددان بانتشار المرض على نطاق واسع داخل قطاع غزة، داعية جميع الجهات المعنية والمنظمات الدولية والإنسانية إلى التدخل العاجل لتوفير الأدوية والعلاجات المُنقذة للحياة، والوقف الفورى للحصار لوقف تدهور الوضع الصحى والبيئى فى قطاع غزة، مؤكدة أن هذه الوفيات وحجم الإصابات تنذر بأمكانية التحول إلى كارثة حقيقية.
كما نددت منظمة «أطباء بلا حدود» بالوضع الصحى المتدهور فى غزة مؤكدة على أن النظام الصحى بالقطاع يشهد انهيارا كاملا، وأن انتشار متلازمة غيلان باريه «الشلل الرخوى» ينضم إلى سلسلة أمراض أخرى يعانى منها سكان القطاع بسبب البيئة غير الصحية التى يحيوها متمثلة فى تلوث المياه وتدمير البنية التحتية ونقص مناعة الأطفال الناجم عن سوء التغذية.
كما حذر المركز الفلسطينى لحقوق الإنسان من انتشار واسع وسريع لأمراض معدية وخطيرة بين المواطنين فى قطاع غزة، خاصة الأطفال، وذلك بعد تسجيل 3 حالات وفاة بمتلازمة غيلان باريه، وأكد المركز فى بيان له: «أن الظروف الكارثية التى فرضتها عمدا القوات المحتلة هى المسبب الرئيسى لانتشار الأمراض والأوبئة، جراء تكثيف سياسة التجويع والتعطيش الإسرائيلية، ومنع إدخال الأدوية والمواد الاغاثية الأساسية لنحو 2 مليون مواطن يعيشون ظروفا غير إنسانية على مساحة تمثل 12% من قطاع غزة.
وتابع المركز: «ووفق ما رصده المركز، فقد سجلت وزارة الصحة فى غزة نحو 95 حالة إصابة بمتلازمة غيلان باريه، لا يتوافر العلاج الخاص بهم داخل مستشفيات القطاع وهو ما يهدد حياتهم بخطر الوفاة.
وأكد المركز أن ارتفاع أعداد الوفيات بهذه الوتيرة السريعة، وظهور أمراض مناعية جديدة سجلت فى فئة الأطفال، وفى فئة البالغين هو مؤشر خطير وينذر بكارثة صحية قد تسبب حالات وفاة أكثر، لا سيما مع استمرار تشديد سياسة التجويع الإسرائيلية، ومنع ادخال المواد الاغاثية مطالبا منظمة الصحة العالمية بسرعة العمل على إدخال المواد الطبية اللازمة لإنقاذ حياة المرضى، المصابين بمتلازمة غيلان باريه».

ابو-الجديان

أطفال غزة

الطفل أمير

صهيب
الشلل الرخو يصيب أطفال غزة

Trending Plus