من الزيتون إلى لورد وفاطيما.. تماثيل العذراء مريم تحكى قصة الإيمان العالمى.. وصلوات متجسدة على وجه الأرض تحرس القلوب حول العالم.. وترميم تمثال "سيدة حريصا" بعد تفجير مرفأ ببيروت

مع نهاية شهر أغسطس، تتجه أنظار الملايين من المؤمنين حول العالم إلى العذراء مريم، في زمن صومها المبارك الذي احتفلت به الكنائس الشرقية والغربية على حد سواء. وبين الصلوات، والتراتيل، ومشاعر التقوى، تبرز أمام العيون تماثيل السيدة العذراء المنتشرة في ربوع الأرض، لا كأحجار جامدة، بل كشواهد حية على علاقة الإنسان بالإله، وعلى حب الشعوب لتلك الأم السماوية التى سكنت القلوب قبل أن تسكن المعابد.
وفى قلب الكنائس والساحات والجبال، تقف تماثيل العذراء مريم شامخة كعلامات إيمانية حيّة، تحمل رسائل روحية وسلامًا عابرًا للثقافات والحدود، فمن "سيدة لورد" فى فرنسا إلى "سيدة فاطيما" فى البرتغال، ومن "سيدة جبل الكرمل" فى حيفا إلى "سيدة غوادالوبى" فى المكسيك، تتعدد صور العذراء، لكن المعنى يبقى واحدًا: الأم، الشفيعة، الحامية.
تاريخ من الظهورات والإلهام
وارتبطت التماثيل بظهورات مريم فى أماكن متفرقة من العالم. فمثلًا، تمثال "سيدة لورد" فى فرنسا يعود إلى عام 1858، حيث ظهرت مريم الطاهرة للطفلة برناديت سوبيريو، ما جعل مدينة لورد مزارًا لملايين الحجاج سنويًا، وكذلك الأمر فى مدينة فاطيما البرتغالية عام 1917، حيث ظهرت العذراء لثلاثة أطفال رعاة، فكان ذلك الحدث مصدر إلهام لأشهر تماثيل مريم في العالم الكاثوليكى.
رمزية تتخطى الديانات
ولا تقتصر دلالات تماثيل مريم على الجانب المسيحي فحسب، بل تحظى العذراء بمكانة روحية في الإسلام أيضًا، حيث ورد ذكرها في القرآن الكريم أكثر من مرة، باعتبارها "مريم ابنة عمران" و"سيدة نساء العالمين". لذا، فإن التماثيل التي تجسّدها كثيرًا ما تلامس مشاعر أتباع ديانات مختلفة، كرمز للطهارة والحنان والأمومة.
من الرخام إلى الخشب
وتختلف المواد المستخدمة فى نحت التماثيل بحسب المناطق والتقاليد الفنية، حيث يكون بعضها يُصنع من الرخام الأبيض الإيطالى النقى، كما في تمثال "سيدة الأمل" فى لبنان، حيث تبدو مريم رافعة يديها نحو السماء فوق تل ساحلي يطل على البحر، والبعض الآخر يُنحت من خشب الأرز أو يُصنع من البرونز، ويُزخرف بأوراق الذهب أو الطلاء الأبيض والأزرق، وهي الألوان التقليدية للعذراء.
"سيدة جواد الوبى".. تجسيد إنسانى فريد
ويُعتبر تمثال العذراء "سيدة جوادالوبى" فى المكسيك من أكثر التماثيل زيارة فى العالم، حيث يتوافد ملايين الحجاج إلى مزارها سنويًا، ويتميّز هذا التمثال بملامح مريم ذات الطابع المكسيكى المحلى، وما يرسّخ فكرة أن العذراء قريبة من شعوب وثقافات متعددة، لا تنتمى لعرق أو شعب بعينه، بل هي "أم الجميع".
العذراء ومآسى الشعوب
وفى كثير من الأحيان، تصبح تماثيل العذراء مراكز للتضرع فى الأوقات العصيبة، كما حدث في الحرب العالمية الثانية، أو فى فترات الكوارث الطبيعية، أو حتى أثناء جائحة كورونا، حيث رفعت الكنائس حول العالم صلوات خاصة أمام تماثيلها، طلبًا للشفاعة والرجاء.
وفى لبنان، تم ترميم تمثال "سيدة حريصا" بعد تفجير مرفأ بيروت، حيث تحوّل المكان إلى مزار للصلاة على نية ضحايا الانفجار. وتماثيل العذراء غالبًا ما تكون محاطة بالشموع والورود ورسائل الحزانى والفقراء، ما يعكس جانبًا إنسانيًا عميقًا من علاقة البشر بمريم.
عندما تلتقى الروح بالفن
وتجمع تماثيل مريم بين الجمال الفنى والروحانية العميقة، فهى ليست مجرّد أعمال فنية، بل علامات للرجاء وسط عالم مضطرب، ويقف أمامها الزائرون من كل الأعمار، يطلبون الشفاء أو يهتفون بالشكر، يعبّرون عن اشتياق لأمٍّ تسندهم في غربة الروح والجسد.
مزار "سيدة الزيتون"
وفى مصر، تقف تماثيل مريم شاهدة على علاقة روحية فريدة بين المصريين والعذراء، ويُعتبر ظهورها فوق كنيسة الزيتون عام 1967 من أبرز الأحداث الروحية في التاريخ المعاصر، وقد توافد الملايين لرؤية الظهور، فازدادت أعداد التماثيل المُقامة على شرفها، سواء داخل الكنائس أو في ساحات الأديرة والمزارات.
وتبقى تماثيل العذراء مريم أكثر من مجرد حجارة منحوتة، إنها صلوات متجسّدة، ورسائل رجاء مغروسة في قلب كل مدينة وقرية. في زمنٍ يضج بالصراعات والضياع، تظل مريم رمزًا حيًّا للأمومة والطمأنينة، تنادي العالم أن يعود إلى المحبة والرحمة.

بيان ظهور العذراء مريم

تغطية صحيفة الأخبار

تمثال العذراء سيدة جوادالوبى فى المكسيك

تمثال سيدة لورد فى فرنسا

Trending Plus