من سجلات التاريخ.. أب وابنه يحفظان صناعة مآذن المساجد.. عبد النبى: ورثت المهنة عن والدى وورشتنا يتجاوز عمرها الـ80 عامًا.. حرفتنا كلها يدوى وأصعب حاجة فيها الشقاء.. وشغلنا له قيمته وسمعتنا سبقانا فى السوق

الأب والابن يحفظان صناعة مآذن المساجد
الأب والابن يحفظان صناعة مآذن المساجد
كتبت مرام محمد و بتول عصام

في ورشة عتيقة تتنفس جدرانها المشققة عبق التاريخ، يتسلل من سقفها المتآكل خيوط الضوء بخجل، تتردد فيها طرقات دقيقة متناسقة، لا فوضى فيها؛ كأنها معزوفة لا يخطئ لحنها، تحمل أركانها آثار أقدام أجيال مرّت من هنا، كأنها سجلّ صامت لرجالٍ عاشوا ومضوا وبقيت بصماتهم مطبوعة في كل زاوية، يقف أب وابنه كتفًا إلى كتف، يصوغان بأيديهما أهِلّةً ستعلو مآذن المساجد، محافظين على حرفة يدوية لا تذبل مع الزمن.

تصنيع أجزاء المئذنة داخل الورشة
تصنيع أجزاء المئذنة داخل الورشة
 
يتقاسم الأب وابنه شغفًا فريدًا صاغته الأيام في ورشة ورثاها عن الأجداد، تجاوز عمرها الثمانين عامًا، لكنها لا تزال تنبض بالحياة كل صباح مع صوت المطرقة ورائحة المعدن.. الأب بملامحه التي حفرتها السنين، يقف كركن أصيل في المكان، وإلى جانبه ابنه، يصنعان بمهارة وإتقان هلالًا بعد هلال، يحمل قدسية المكان الذي سيرتفع فوقه، في انتظار أن يراه الناس يومًا يعلو مئذنة مسجد، دون أن يعلموا أن خلفه قصة تعب، وحب، وكفاح.
 
تصنيع المآذن
تصنيع المآذن
 
يتكئ عبد النبي هنداوي على إرثٍ ممتد من الحِرفة والصبر. رجل تخطى السبعين، ما زال يمسك بالمطرقة وكأنه يمسك بالحياة نفسها، ينحت من المعدن أبواب رزقٍ وذكريات. فالحرفة لم تكن مجرد مهنة يتقنها، بل شغفًا ورثه بالملاحظة، والتقط أسراره بعينيه وهو يتابع مراحل العمل في ورشة والده.. يقول وهو يسترجع البدايات: "ورثت مهنة تصنيع مآذن المساجد عن والدي، اتعلمتها بالنظر، في إجازة المدرسة كنت أجي مع والدي أقعد أبص للصنايعية وأتابع شغلهم، حبيت الصنعة وارتبطت بيها، بدأت أحاول واجتهد فيها لحد ما أتقنتها، ومع الوقت اتعلمت مراحل التصنيع كلها".
 
ورشة التصنيع
ورشة التصنيع
 
وبين ضجيج المطارق ورنين النحاس، لم يكن عبد النبي وحيدًا؛ فقد ورًث شغفه لابنه، ليكتمل المشهد العائلي داخل الورشة. يقول بابتسامة ممتزجة بالفخر: " لما كبرت في السن، ابني نزل معايا في الورشة وعلّمته المهنة.. مع الوقت أتقن الحرفة وبقى يلحم النحاس والألومنيوم، ويطور من شغله، ويقفل ورايا أجزاء المأذنة القمر والهلال، والحمد لله بنصنع دلوقتي هلال الجوامع وحِلل الحلونجية.. وأي حاجة فيها فن بنعملها".
 
تصنيع أجزاء المئذنة
تصنيع أجزاء المئذنة
 
المهنة لديه ليست حرفة عادية، بل أمانة تراثية وفن يدوي له أصول ودقة في التكوين، تبدأ من قطعة خام وتنتهي بتحفة تزين المساجد. يشرح بحب تفاصيل عمله: "المأذنة بتتعمل يدويًا داخل الورشة، وبتتكون من "قاعدة وكورة"، بيزيد عددها حسب طلب الزبون، وبنشكلهم ونجمعهم مع بعض بشكل متناسق، والقمرة بتكون آخر مرحلة.. وبالنسبة لخامات التصنيع، بنشتغل بالألومنيوم والنحاس، الألومنيوم رخيص ومالوش عمر، والنحاس غالي وعمره أطول".
 
مآذن المساجد بعد التصنيع
مآذن المساجد بعد التصنيع
 
في كل قطعة يصنعانها ينعكس جهد وكفاح وعمل، وإيمان عميق بأن هذه الحرفة تستحق أن تُصان وتُتقن بكل ما أوتوا من صبر وحب رغم خطر الاندثار، بعدما عزف عنها الشباب لصعوبتها وقسوة العمل فيها.. يتنهد قائلًا: "المهنة هتنقرض عشان محدش عايز يتعلم.. هي مهنة صعبة.. أصعب حاجة فيها هي العافية.. مهنة شقى بتأثر على الأذرع وفقرات الظهر والنظر".
 
صناعة مآذن المساجد
صناعة مآذن المساجد
 
ورغم تعب الجسد، فإن القلب مملوء بالرضا، وما زالت الورشة تحمل عبق الأب والجد معًا. يقول وهو يستحضر أثر والده: "والدي شاف إني بحقق طموحاته وبعمل الحاجة اللي هو مقدرش يعملها.. لأن أبويا كان تاجر بيبيع ويشتري، وكان في ورشتنا اللي يزيد عمرها عن 80 سنة صنايعية كتير بيشتغلوا، لما نزلت قررت أتعلم التصنيع نفسه، والحمد لله العُمر عدى وحافظت أنا وأخويا وابني على المهنة والورشة".
 
صناعة مآذن المساجد (2)
صناعة مآذن المساجد
 
يخرج من بين يد عبد النبي معدن صلب لكن مصقول بالحب، كأن الحياة صاغته كما يصوغ النحاس.. يبتسم ويقول برضا: "الحياة علمتني الصبر.. الحمد لله على اللي وصلنا ليه.. رزقنا من إيدينا وشغلنا قليل لكنه بالحلال.. لو والدي عايش كان هينبسط باللي إحنا فيه دلوقتي.. اتعلمنا حاجة وعرفناها من نفسنا وبقت طريق لينا في الحياة، الشغل اليدوي يمتاز بالجودة والإتقان، وسمعتنا سبقانا في السوق".
 
أجزاء المئذنة
أجزاء المئذنة
 
بين وهج الشرر المتطاير ولمعة النحاس، يقف محمد عبد النبي، شاب في السادسة والثلاثين من عمره، يشد نظره نحو القطع المعدنية التي بين يديه كأنها كنز ورثه من آبائه.. بابتسامة هادئة يقول: "أنا في الصنعة دي من وأنا عندي 17 سنة.. كنت باجي أقف مع والدي وأتعلم منه، وحبيتها لأنها شغلانة أبويا وجدي، اتعلمتها منهم برضا وحب، وعرفت كل مرحلة فيها".
 
تصنيع الهلال
تصنيع الهلال
 
تزدحم الذاكرة عند محمد بصور رجال طيبين من الماضي، وجوههم محفورة في وجدانه مثل النقوش على النحاس. يتذكر كيف فتحوا له أبواب التعلم بلا مقابل، وكيف صبروا على أخطائه وهو يخطو أولى خطواته. يضحك بخفة وهو يقول: "جدي كان بيديني 20 جنيه في الأسبوع.. الناس زمان كانوا طيبين، وبيعلمونا من غير ما يستنوا حاجة، حتى لو بوظنا الشغل كانوا يصبروا ويعلمونا من جديد.. الناس دي كانت الخير والبركة".
 
محمد عبد النبي صانع المآذن
محمد عبد النبي صانع المآذن

في الورشة، تتراص المآذن النحاسية في أحجام مختلفة، كأنها جنود من نور تستعد لتزيين قباب المساجد. يشير محمد إلى بعضها بعين الخبير ويشرح بفخر: "إحنا بنعمل مآذن الجوامع، منها الداخلي الصغير ومنها الخارجي الكبير.. المقاسات بتبدأ من متر لحد ستة متر حسب طلب الزبون. في منها ألومنيوم ونحاس، وفيه استالس ونحاس أحمر وأصفر، وأحيانًا صاج لكن قليل اللي بيطلبه".

أسرة هنداوي صانعة المآذن
أسرة هنداوي صانعة المآذن

تسير خطوات التصنيع كرحلة شاقة تتنفس فيها الحرفة صبرًا وجهدًا. تبدأ صناعة المئذنة من تشكيل العامل تصميم هندسي دقيق، ثم مرحلة التنفيذ والتقطيع والتشكيل وصولاً إلى مرحلة تركيب الأجزاء حتى يكتمل الهيكل في شكل متقن. فبين كل مرحلة وأخرى يتردد صدى المطرقة كنبض حي لا يهدأ. يشرح محمد تفاصيل عمله بعناية قائلاً: "المراحل بتبدأ بـ"السوارة"، وبعدها الكورة والقمرة.. وعلى حسب الطول بنزود عدد الكور.. وبعد كده بندخل المعدن النار عشان يلين، ونطرقه عشان يصلب. بعدين يتلمع أو ينزل في حوض دهب أو ألوان.. كله يدوي، من غير ماكينات".

صناعة المئذنة يدويًا
صناعة المئذنة يدويًا
 
الجهد الإنساني هنا يعلو على كل آلة. الأذرع تتعب، والعرق يتصبب، لكن الفخر يظل حاضرًا في العيون. يقول محمد: "الصعب في المهنة إنها بتعتمد بشكل كلي على المجهود البشري، شقاء وتعب العامل مش الآلة.. إحنا بننزل الورشة من 8 الصبح لحد 6 المغرب.. كل واحد ليه مرحلة: حد يطرق، وحد يقفل قمر، وحد يقفل الهلالات".
 
ورشة تصنيع المآذن
ورشة تصنيع المآذن

ومن بين الجدران الممتلئة بالأدوات والقطع نصف المصنوعة، ينطلق العمل بعد اكتماله في رحلة طويلة. بعضه يذهب للمعارض، وبعضه يزين شارع المعز، وآخر يشق طريقه إلى الصعيد. يرفع محمد رأسه بفخر ويقول: "شغلنا بعد التصنيع بيتوزع على المعارض، وبيروح محافظات كتيرة، وأغلبه بيتوزع في الصعيد".

مآذن المساجد
مآذن المساجد

حين يسأله أحد عن سر بقائه في المهنة رغم عنائها، يبتسم كأن قلبه يخزن إرثًا أثمن من المال. يقول بصوت واثق: "اتعلمت من والدي وجدي الصبر على السوق.. مستعجلش، وأطلع شغل كويس. شغلنا اليدوي يمتاز بالجودة والإتقان، حافظ قيمته ومكانته، وهيفضل موجود مهما عدى الزمن والدنيا اتغيرت".

عبد النبي هنداوي وابنه محمد
عبد النبي هنداوي وابنه محمد
Google News تابع آخر أخبار اليوم السابع على Google News

Trending Plus

اليوم السابع Trending

الأكثر قراءة

السلطة الفلسطينية تدين قرار واشنطن بمنع حضور وفد فلسطين لاجتماع الأمم المتحدة

الداخلية تضبط تيك توكر نشرت فيديوهات رقص خادشة للحياء.. فيديو

السولية يتقدم لسيراميكا على المقاولون العرب 1-0 في الشوط الأول.. فيديو وصور

الكاميرا سلاحها فى وجه إسرائيل.. شقيقة الشهيدة مريم أبودقة: ضحّت بحياتها لتمنح غزة حياة فى عيون العالم.. أخافت الاحتلال بالصور أكثر من الرصاص.. وكانت تعتبر الكاميرا ابنتها الثانية بعد غيث

مصرع شخصين وإصابة 5 آخرين فى انقلاب سيارة ربع نقل بالوادى الجديد


أمن الدقهلية يكشف تفاصيل منشور بادعاء سيدة اعتداء والدها عليها

اختبار طبي يحسم مصير حارس الإسماعيلي أمام غزل المحلة اليوم

الصحة العالمية: جدرى القرود سجل 3924 إصابة و30 حالة وفاة فى 47 دولة

زى النهادره.. الترسانة يفوز بكأس مصر للمرة السادسة فى تاريخه

حيثيات الحكم بإعدام سفاح الإسكندرية: المتهم ترك القيم وصنع لنفسه قانون الغابة


انتخابات الشيوخ 2025 تكشف وعى المصريين فى الداخل والخارج وتعزز المشهد الحزبى والسياسى.. "العدل" يوصى بتشكيل لجان متنقلة وتحديث بيانات الناخبين والتصويت الإلكترونى.. والمؤتمر: جولة الإعادة جسدت وعى الشعب

التعليم العالى تكشف موعد تسجيل رغبات طلاب الثانوية العامة بالدور الثانى

10 معلومات مثيرة عن حكم مباراة الأهلى وبيراميدز فى دورى نايل

منتخب مصر الثانى يتراجع عن ضم أحمد حجازى استعدادا لكأس العرب

آيفون 16 وشقة بالقاهرة الجديدة.. ثروة سوزى الأردنية من غسل الأموال

اليوم افتتاح منافسات الجولة الخامسة لمسابقة دورى نايل

استياء داخل الزمالك وتحذير لـ يانيك فيريرا بسبب أزمة سيف الجزيرى

سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 29 أغسطس 1981.. الرئيس السادات للدكتور سعد الدين إبراهيم: أنت بتكرهنا.. بتكرهنا.. هل تريد أن تمزح مع رئيس الجمهورية؟

انعقاد اللجنة الدائمة لمتابعة العلاقات المصرية الأفريقية برئاسة نائب وزير الخارجية

أكثر من 500 موظف بالأمم المتحدة يضغطون من أجل وصف حرب غزة بالإبادة الجماعية

لا يفوتك


المزيد من Trending Plus
Youm7 Applcation Icons
اليوم السابع اليوم السابع اليوم السابع اليوم السابع اليوم السابع اليوم السابع هواوى