خازن النفس وعراف المصائر.. أساطير يتوجها الرحيل.. حكايات الموت كما عاشها أبطال روايات نجيب محفوظ.. عاشور الناجى احتمى بالغياب.. ورصاصة قتلت سعيد مهران.. و«حديث الصباح والمساء» سجل الأحياء الموتى

يمكن القول بسهولة ويسر إن الكاتب الكبير نجيب محفوظ إنسان خالد بصورة أو بأخرى، ليس نجيب فقط بل حتى شخصياته خالدة مثله، وقد اكتملت أسطورة نجيب بموته، وكثير من أبطال رواياته أيضا اكتملت أسطورتهم بالموت.
أدرك نجيب محفوظ مبكرا أنه يصور الحياة وأن الموت جزء منها، لذا شغله أمر الموت، فامتد فى رواياته وأصاب شخصياته فى مواطن كثيرة، منهم من كان وراء موته فلسفة ومنهم من كان وراء موته حياة جديدة، أى أنه بالمجمل لم ينظر إلى الموت كخصم للحياة، بل رآه مرآة تظهر القيم وتصاغ فيها الحكمة، التى تليق بصانع المصائر، فيبدو لنا الموت فى إبداعه سؤالا ممتدا.
وهنا، سنتوقف مع صاحب نوبل ومع شخصياته لنتأمل فعل الموت منذ خان الخليلى إلى الثلاثية ثم اللص والكلاب، ومن السمّان والخريف إلى الحرافيش وحديث الصباح والمساء، وسنلحظ كيف يتبدى لنا الموت مرتديا الأقنعة، فنراه مرة «قدر»، ومرة أخرى «عبث» وفى مرة ثالثة «خلاص»، وتظل فلسفته الدائمة الموجهة إلى القارئ «لا تستسلم للموت بل عليك أن تفكر فى الحياة».
اقرأ أيضا..
رحيل على درب الخلود.. نجيب محفوظ فى ذكراه الـ 19.. الموت على طريقة صاحب نوبل

خان الخليلى هشاشة تسكننا
لم يكن الموت فى رواية «خان الخليلى» حدثا عابرا بل مثَّل أثرا طويلا ممتدا، ففى الرواية تحيط بنا صفارات الإنذار وأخبار الحرب والقلق، كل ذلك يجعل الناس ومنهم «أحمد عاكف» بطل الرواية على حافة الحياة، وما أقسى الحياة على الحافة، حيث يسكن الخوف فى قلوب الناس، فإن ذلك هو الموت.
فى هذ الفترة من الرواية نجد أن نجيب محفوظ لا يرفع صوت الموت بل يتركه يهمس فى الخلفية، كما يفتح بابا للحب، لكنه سريعا ما يوصده، إذ يجىء المرض بطيئا إلى البيت فيتآكل الشقيق الأصغر (رشدى) شيئا فشيئا بسبب السل، وحينها ينكسر كل شىء، ويتبين لنا هشاشة ما نحن فيه.

الثلاثية موت فهمى ويقظة الضمير
فى الجزء الأخير من رواية «بين القصرين» يستشهد «فهمى» فى مظاهرات 1919، و«فهمى» كان يشبه «الحلم»، كان نموذجا لأبناء مصر الذين تعلموا فى الجامعة وآمنوا بحرية الوطن ودفعوا ثمن ذلك، وعندما يتلقى والده «السيد أحمد عبد الجواد» الخبر يصاب بصدمة كبيرة، كما كان أثر ذلك كبيرا على البيت كله، فموته هو اللحظة التى تبدل فيها وعى العائلة، ويمكن القول أنه تبدل فيها وعى مصر كلها بسبب الثورة.
ويمكن قراءة موت فهمى وأثره على أمه وأبيه وأخوته، كما يمكن قراءته بشكل أوسع على مصر كلها كما أشرنا، لقد كان الأثر كبيرا إذ أيقظ ذلك الموت ضمير الناس.
وعلى المستوى الأول كشف ذلك الموت عن جانب إنسانى فى شخصية «السيد» كما أرسى داخل «كمال» الأخ الأصغر قدرا كبيرا من التساؤلات، وفقدت الأم الكثير من رغبتها فى الحياة، وصار الحزن يسكنها، وعلى مستوى الوطن تبين للجميع أن لا حل سوى «الاستقلال التام أو الموت الزؤام.»

عيسى الدباغ مشاعر رجل يحتضر
لو انتقلنا إلى رواية «السمان والخريف» والتى صدرت فى سنة 1962 نجد نجيب محفوظ يكتب عن موت مختلف إنه «موت الروح»، فما الذى أصاب عيسى الدباغ، ومن أين جاءه كل هذا الانهيار، وما الذى يقاومه، وما الذى استسلم له؟ هو لم يمت جسدا لكنه فقد كل ما يسنده، تغيرت الأحداث فتغيرت الظروف، وتوالت حلقات الموت «وظيفة ضاعت، وجاهة اجتماعية تبخرت، مكانة سياسية انقلبت» كل شيء تهاوى، فلا وجود للمعنى، إنه الاغتراب المفاجئ الذى يتساوى والموت.
عادة ما أفكر فى مشاعر عيسى الدباغ على أنها مشاعر إنسان فى لحظة موته، عندما يأتيه اليقين أنه يموت الآن، فلا يجد شيئا معه، هكذا كان عيسى الدباغ، وهكذا قدم لنا نجيب محفوظ «إحساس رجل يحتضر».

سعيد مهران مات وأعداؤه عاشوا
جعل نجيب محفوظ من «سعيد مهران» فى رواية اللص والكلاب، رمزا لكل من وجدوا أنفسهم فى موقف لا يحسدون عليه، إنه اللص الذى كسب تعاطف الجميع، ذلك الذى يحمل تجربة كبيرة فى الشعور بالخداع، لقد خدعه الجميع.
تبدأ الرواية بخروج سعيد مهران من السجن، وتنتهى بموته بعد أيام قليلة؛ لكن بين الخروج والرصاصة التى قتلته يمكن أن نقيم محاكمة أخلاقية نلحظ فيها مجتمعا يتهاوى وقيما تضيع، وبالتالى يمكن قراءة الأمر على أن موت سعيد مهران كان هو السقوط الطبيعى لمجتمع به من الأزمات ما به.
مات سعيد مهران وعاش أعداؤه، وهذه هى الرسالة الأخطر فى الرواية، وفى الحياة عموما.

جلال ذو الجلالة
تستحق رواية الحرافيش، رائعة نجيب محفوظ الخالدة، وقفة كبيرة فيما يتعلق بالموت، إنه هنا موت الضرورة، كى تفسح الأجيال السابقة مكانا للأجيال اللاحقة، وعلى مدى عشر حكايات يتنوع الموت، لكن يظل «اختفاء» عاشور الناجى الغامض، هو الموت الأغرب فى الحكايات، فالناس لم يروا جثته، لذا راحوا يظنون أنه لا يزال حيا فى مكان ما، وقد ظلت هذه الجملة المحملة بالأمل باقية «عاشور الناجى راجع».
وقد يفسر لنا ذلك، على المستوى الحياتي، كيف أن الميت الذى لا نرى جثمانه ولم نشارك فى وداعه لا نصدق موته، وبالمجمل كيف تفكر فى «الأمل».
أما تحطيم وجه «زهيرة الناجى» تلك الجميلة المغوية على يد زوجها السابق محمد أنور، فذلك رمز ترك أثره علينا بمعان مختلفة منها، كيف يتحول الجمال إلى كومة من التشوه والألم، وكيف لكل هذا الجبروت أن ينتهى «فرجة» فى الشارع لكل العابرين.
لكن يظل موت ابنها «جلال ذى الجلالة» الباحث عن الخلود بصورته المادية هو أبدع ما قدمه نجيب محفوظ فيما يتعلق بفكرة «الموت الرمز» فذلك الساعى لتحدى نظرية الخلق والحياة، الساعى لمناظرة الآلهة، يموت كما يموت المحتقرين فى الأرض يشرب من «مشرب» الحيوانات، وينتهى به الحال بين فضلاتهم.

حديث الصباح والمساء سجل الأحياء الموتى
هذا عمل فريد فى بنائه، رواية شخصيات مرتبة كأنها معجم أو «سجل مدنى» يمتد عبر قرنين، يولد شخص فى سطر ويموت آخر فى السطر التالى، وبالتتابع تكتمل لوحة نابضة عن مدينة القاهرة بأسرها، بل لوحة عن الحياة كلها.
عادة ما أفكر أى حكمة تجلت على نجيب محفوظ كى يفكر فى هذه الفكرة ثم يبدعها، إنه يؤمن تماما بأن كل الأشياء تبدأ وتنتهى، كل الناس تموت، لكنهم لا يموتون «ميتة» واحدة، كل منهم له حكاية، وله مصير، لقد أبدع نجيب محفوظ فى تقصى المصائر، فصرنا نرى عجبا، يموت من لا نظن موته، ويعيش العليل الذى حفر قبره بيده.
فى النهاية أقر بأنه لا يمكن بحال من الأحوال تقصى فكرة الموت فى كل ما أبدع نجيب محفوظ، فقد قدم سجلا حافلا تتبع فيه المصائر، ورأى أن الموت هو الوجه الآخر للحياة، ولا يعنى دائما «التقابل» بل أحيانا قد يشير إلى الاكتمال، لن تكتمل أسطورة الأشخاص إلا بموتهم.
جعلنا نجيب محفوظ بقصد أو بدون قصد نتأمل «فهمى» فى كل شاب متحمس وطنى، ودفعنا محفوظ للسير خلف «سعيد مهران» حتى النهاية، وأن نرى فى الحرافيش كيف تموت الناس وتبقى الحكايات، وأن نفتح سجل حديث الصباح والمساء فنقرأ أسماءنا بين السطور.

ملف فى ذكرى رحيل صاحب نوبل نجيب محفوظ

Trending Plus