نجيبات فى حضرة نجيب محفوظ: لم نلتقِ به لكن أثره لا يزول.. ويؤكدن: كل عودة إلى نصوصه تستولد دهشة جديدة ومعنى يتجدد.. والمرأة فى إبداعه ليست "ديكور" بل فاعل أساسى.. ويوجهن له رسائل وتساؤلات.. صور وفيديو

نورا ناجي: تعلمت منه مبكرا أن الإنسان ليس أبيض أو أسود..
نهلة كرم: لولا نجيب محفوظ ما كتبت القصة القصيرة.. وروايته "الشحاذ" أيقونتي
ضحى صلاح: كتب المرأة بلا وصم ولا أحكام مسبقة.. وتعلمت الكثير من شحصيته
دينا شحاتة: صاحب نوبل هو "الأستاذ" بالمطلق.. وإبداعه يحمل طبقات إنسانية وفنية لا تنتهي
وعلا الشافعي: لا يمكن تخيل السينما والدراما المصرية دون نجيب محفوظ
تمرّ السنوات ويظلّ الكاتب الكبير نجيب محفوظ (1911–2006)، الذي نحتفي بالذكرى التاسعة عشرة لرحيله في 30 أغسطس، رمزًا لكل ما هو جاد وجميل ومتحقّق في عالم الكتابة، وها نحن نحتفي به وبإبداعه الأدبي الخالد في "ملتقى اليوم السابع للثقافة والفنون"، وقد شارك معنا في الاحتفاء بصاحب نوبل كلٌّ من المبدعات: نورا ناجي، ونهلة كرم، وضحى صلاح، ودينا شحاتة، وقد جمعتهنّ الإبداع والتحقّق ومحبة نجيب محفوظ والتأثّر به، وأنهن لم يلتقين بالمبدع العظيم في حياته ولم يجلسن إليه، لكن أثره أصابهنّ واستقرّت محبته في قلوبهن.
في البداية رحّبت علا الشافعي، رئيس تحرير اليوم السابع، بالكاتبات المشاركات في الندوة، وتحدّثت عن الندوة وموضوعها وفكرتها، موضحةً أن فكرة "كيف ترى الكاتبات نجيب محفوظ؟ وكيف أثّر فيهن؟" تجمع بين أمرين مهمّين هما: إتاحة الفرصة للكاتبات لعرض رؤيتهنّ، والحديث عن نجيب محفوظ وتأثيره العميق من خلال أعين هذا الجيل.

ملتقى اليوم السابع للثقافة والفنون
البدايات.. مختلفة عن الأثر واحد
عن البدايات والتعرّف على نجيب محفوظ، ترى نورا ناجي أن محفوظ حاضرٌ بعمق في الوجدان المصري، وأنها نشأت في بيتٍ محبٍّ للقراءة، وكان اسم محفوظ جزءًا من الأحاديث والكتب الدارجة، وتعرّفت إليه مبكرًا عبر "مكتبة الأسرة" وحين قرأت "بداية ونهاية"، أدهشتها السلاسة والمشهدية، وكيف تتسلّلت الفلسفة داخل السرد بلا تعقيد، ثم عادت للرواية في سنٍّ أكبر فازدادت فهمًا لها، ومن تلك القراءة الأولى اكتسبت درسًا مؤسِّسًا هو أن "الإنسان ليس أبيض أو أسود".
أما ضحى صلاح، فدخلت عالم محفوظ عبر "كفاح طيبة"، إذ جذبتها الخيوط الرومانسية فعبرت منها إلى التاريخ المصري القديم، ومنه إلى أعمال محفوظ التاريخية، وقادها الفضول إلى متابعة الأفلام المقتبسة عن رواياته والعودة إلى النصوص لفهم ما لا تقوله الشاشة، لتكتشف في الرواية تفاصيل داخلية وأبعادًا إنسانية أوسع.
أحمد إبراهيم الشريف يدير الندوة
وتحكي نهلة كرم بدايةً شبيهة بـ"كفاح طيبة"، لكنها لم تتأثّر كثيرًا بسبب ثِقل موضوع "الحروب"، وما غيّر زاويتها كان فيلم "السراب" الذي دفعها للعودة إلى الرواية، ثم قرأت "الشحّاذ" بصورةٍ ما، وحين أعادت قراءتها بعد سنواتٍ ازدادت دهشةً وإدراكًا لعمقها الوجودي.
وتقول دينا شحاتة إن بدايتها كانت مع "الطريق"، قرأتها كحكايةٍ مشوِّقة دون وعيٍ فلسفي، لكنها مع الزمن ربطت تطوّرها كقارئةٍ بقراءتها لمحفوظ؛ فكلما تقدّمت اكتشفت أن نصوصه ليست مجرد "حواديت"، بل عوالم متشابكة من الفكر والفلسفة والإنسانية، وأنها قادرة على مرافقة القارئ في مراحل عمره المختلفة، ومنحه في كل عودةٍ طبقةً جديدة من المعنى.

علا الشافعي
المرأة في إبداع نجيب محفوظ: ليست "ديكور" بل فاعل أساسي
وفتحت علا الشافعي نقاشًا محوريًّا حول حضور المرأة في أدب نجيب محفوظ، مؤكّدةً أنه من أكثر الكتّاب تقديمًا لشخصياتٍ نسائيةٍ مركّبة ومتنوّعة؛ فعند محفوظ تبدو نساؤه ضحايا بنية اجتماعية قاسية أكثر منهنّ مذنبات، ينسج تفاصيلهنّ بحيث يصعب على القارئ كراهيتهنّ، فسحر محفوظ أنه يدفعنا للتعاطف مع شخصياتٍ يسهل على أدب آخر إدانتُها، إذ يمنح كلَّ شخصيةٍ مبرّراتها الإنسانية، فيغدو الفهم ممكنًا وربما المحبّة.
ورأت نورا ناجي أن المرأة عند محفوظ ليست ديكورًا، بل فاعل أساسي ومحرّك للأحداث، لا سيّما في "المرحلة الذهبية" من "اللص والكلاب" حتى "قشتمر"، ونصحت بقراءة هذه السلسلة بالترتيب لا عشوائيًا، لأن ترتيبها يكشف تطوّر رؤيته وتقنياته.
وعلّقت ضحى صلاح بأن نجيب محفوظ الكاتب العربي الوحيد الذي كتب المرأة بلا وصمٍ ولا أحكامٍ مسبقة، لأنه مخلصٌ للشخصية المصرية قبل انشغاله بتقسيم "الجندر"، وهو لم يجعل المرأة رمزًا وعظيًّا بل كيانًا كاملًا يواجه مصيره بشجاعة.
وتروي دينا شحاتة أنها في بداياتها لم تلتفت كثيرًا إلى المرأة لانشغالها بالشخصيات الرجالية، لكن النضج قادها لاكتشاف ثِقل الحضور النسائي في عالمه.

نورا ناجي
لا يمكن تخيل السينما والدراما دون نجيب محفوظ
وعن السينما ترى علا الشافعي أن القول الشائع "السينما ظلمت محفوظ" غير دقيق؛ فالسينما فنٌّ مختلفٌ عن الأدب لكنه مكملٌ له، الأدب بطبيعته يحتاج قارئًا مهيَّأً وصبورًا، بينما السينما فنٌّ شعبي واسع الوصول، كانت الجسر الذي عبر منه محفوظ إلى قلوب الناس، وجعل اسمه حاضرًا خارج نطاق النخبة القرائية.
وتؤكد علا الشافعي أن الدخول إلى عالم محفوظ ليس سهلًا؛ فهو عالمٌ ذو بنيةٍ فكريةٍ وجماليةٍ معقّدة يحتاج "مفتاحًا" فنيًّا لفهم تركيبته وفلسفته، وجزءٌ أصيل من نجاح هذا الجسر أن محفوظ لم يكن يتدخّل في المعالجات المأخوذة عن أعماله، وأكدت علا الشافعي أن السينما المصرية من دون نجيب محفوظ كانت ستعاني نقصًا جوهريًا، إذ أسهمت أعماله في صنع لونٍ من "السينما الفلسفية الاجتماعية" ما كان ليظهر بهذا الاتساع لولا نصوصه التي تُغري بالإزاحة إلى الشاشة وتحتمل طبقاتٍ من التأويل.
وهنا تحدّثت نهلة كرم عن فيلم "السراب" الذي كان بوابتها لعالم محفوظ حتى في دنيا الأدب، ومن بعدها تأتي بقية الأفلام، لكن بالمجمل فإن سينما نجيب محفوظ هي محفّز لها للرجوع إلى أعماله الأدبية.

نهلة كرم
أما دينا شحاتة، فترى أنه بالنسبة للدراما فإن "حديث الصباح والمساء" "أيقونة" وشخصياته لا تُنسى، كما أن ما فعله محسن زايد في تحويل الرواية إلى عملٍ درامي يؤكّد "عبقريته"، ولعل شخصية "جليلة الطرابيشي" ستظل خالدة بسبب هذا العمل.
ومن زاويةٍ أخرى، تضيف ضحى صلاح أنه، إلى جانب مسلسل "حديث الصباح والمساء"، فإن فيلم "القاهرة 30" واحدٌ من أجمل الأفلام، وأنها كلما شاهدته وجدت فيه جديدًا.
ومن جانبها تحدّثت نورا ناجي عن رؤيتها حول "حديث الصباح والمساء" روايةً ومسلسلًا، فالتكنيك الأبجدي الذي يغلق الدائرة بالعودة إلى "يزيد" يجعل الرواية عملًا استثنائيًا في تاريخ السرد العربي، والمسلسل كان متقدّمًا على زمنه، تشهد عليه استعادة مشاهده الأيقونية حتى اليوم، وترى نورا أن الروايات القصيرة مثل "اللص والكلاب" و"الطريق" حملت طبقاتٍ أعمق بكثير مما يبدو على السطح، وأن المخرجين الكبار التقطوا هذه الطبقات ونقلوها بصريًا.
وتذكر نورا ناجي أننا مدينون لمحفوظ بمشاهد محفورة في الذاكرة الثقافية مثل مشهد محجوب عبد الدايم في "القاهرة 30"، ولحظة وقوف إحسان شحاتة أمام المرآة، وغيرها، وجميع أعمال نجيب محفوظ قُدِّمت بشكلٍ مناسب وحملت رؤى معبّرة.
وخلص الكاتبات إلى أن محفوظ لم يكن "كاتب حكايات" فحسب، بل صاحب نصوصٍ متعددة الطبقات، تعود إليها بعد عقودٍ فتجدها طازجة كما صدرت، وهذا هو الفارق بين الأدب العابر والأدب العظيم: القدرة على البقاء والجِدّة في كل عودة، وفي ضوء ذلك تبدو السينما والتلفزيون حليفين طبيعيين لأدبه.

ضحى صلاح
بهذه الصورة، يصبح نجيب محفوظ "حالةً ثقافية" تتجاوز النوع الفني، ويتحوّل حضوره إلى شبكةٍ من نصوصٍ وصورٍ وأصواتٍ تتجاوب عبر الزمن، السينما لم تَظلمه؛ بل وسّعت حياته في وعينا، وأثبتت أن الرواية العظيمة قادرة على أن تُولِّد أشكالًا عظيمة حين تجد مفاتيحها الصائبة، وفي القلب من هذه المفاتيح: احترام استقلالية الفنون، والتواضع المهني، والانضباط الذي يحوّل القلق الوجودي إلى خلودٍ فنّي.
نجيب محفوظ رؤية عميقة للحياة ومظاهر بسيطة للحياة
وتحدّثت الكاتبات عن نجيب محفوظ وسماته الشخصية التي تجمع بين رؤيته العميقة للحياة وبساطته الظاهرة في ممارستها، وكذلك تعبيره عن الشخصية المصرية، وترى نورا أن محفوظ كاتبها المفضّل عربيًا وعالميًا، وتعدّ "الحرافيش" أعظم رواية قرأتها، وأنها بالنسبة إليها أقوى حتى من رواية "الجريمة والعقاب" للكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي.

دينا شحاتة
لا أحد يقلد نجيب محفوظ.. بل يتعلمون منه
وترفض نورا فكرة أن جيلها "يقلّد" محفوظ؛ فالعلاقة به تعلّمٌ لا نسخ، كل روايةٍ عنده بتقنيةٍ مخصوصة، والتجديد لديه ضرورةٌ لا ترفًا؛ في "اللص والكلاب" أدخل تيار الوعي، وكتب "المرايا" كبورتريهات، وبنى "حديث الصباح والمساء" على ترتيبٍ أبجدي يعود في نهايته إلى بدايته، وطرح في "الشحّاذ" أسئلة الوجود، وقدّم تعدّد الأصوات في "ميرامار"، وأطلق الخيال في "ليالي ألف ليلة"، هذا التنويع التقني، مع وفائه العميق للبيئة والشخصية المصريتين، صنع هويته: لا كلاسيكيًا محضًا ولا تجريبيًا خالصًا، بل مزيجًا عبقريًا.
وعلى المستوى المهني والإنساني، تتعلّم من محفوظ الانضباط والإخلاص والصبر، عاش بسيطًا، بعيدًا عن الصدام والمظلومية، وتعامل مع "نوبل" بتواضع، ومع ذلك كتب أعظم الأدب، والدرس الذي تستخلصه "الإبداع ثمرةُ انتظامٍ ومسؤولية لا "مزاج" عابر.
لغته — عند نورا — بسيطةٌ وعميقة، بلا تعالٍ ولا غموضٍ مفتعل، تمزج الفصحى بالدارجة بمهارة، وتستعيد روح التراث حين يلزم.
وأضافت ضحى صلاح، أنه شخصية نجيب محفوظ تُعلِّم كثيرًا، فهو ليس صِداميًا، ولا مفتعلًا، ولا مدّعيَ مظلومية، وهو بسيطٌ وملتزم، وموضوع الانضباط في الكتابة هو ما صنع منه الكاتب، وإخلاصه كان ما يميّزه، وفيما يتعلّق بالتجريب، فإن روايةً واحدة كان من الممكن أن تحمل أكثر من تجريب.

خالد إبراهيم
وتشير نهلة كرم إلى فضل محفوظ كان في مصالحتها مع القصة القصيرة، بنصيحةٍ من الكاتب الراحل مكاوي سعيد أن تقرأ قصص نجيب محفوظ؛ فقرأت مجموعة "الشيطان يعظ"، فاكتشفت بساطة النوع وعمقه في آنٍ واحد، فازدادت ثقتها بقدرتها على كتابته.
وأوضحت دينا شحاتة، أن نجيب محفوظ هو "الأستاذ" على الإطلاق؛ فهو معلّمها الحقيقي، وقد صار "الملاذ"، كلما أصابها صمتُ "الكتابة" لجأت إلى قراءته؛ فتكفي صفحاتٌ من "الحرافيش" أو غيرها لتعود الشرارة؛ فهو منبعٌ لا ينضب، يعلّم الفن كما يعلّم طريقة النظر إلى الحياة، ونجيب محفوظ لديه قوّة الفكرة وقوّة اللغة، وهذا لا يحدث كثيرًا، وله مقاطع "حرّة" تنبثق بلا تمهيدٍ ولا راوٍ واضح، تمنح القارئ حقّ التأويل وتحثّه على البحث عن المعنى؛ لذلك لم يكن يومًا "كلاسيكيًا" بالمعنى الجامد؛ حتى "الحرافيش" ليست تقليدية، فهو رائد في التجريب سبق زمنه، واللغة عنده مختبرٌ دائم، حتى أنه يمكنه أن يحوّل الضجر نفسه إلى أدب حيّ.

محمد سلمان
وأضافت دينا شحاته، أنه يمكن أن نتعلم من نجيب محفوظ البحث عن المعنى، كما أن شخصياته منشغلةٌ بالسؤال الوجودي، فـ"أنيس زكي" في "ثرثرة فوق النيل"، و"عمر حمزاوي" في "الشحّاذ"، و"سعيد مهران" في "اللص والكلاب"، جميعهم يطاردون معنى الحياة في مواجهة العبث واللاجدوى، وتتردّد ثيمات الموت والملل والفراغ كـ"تنويعات" لا تكرارًا، ويطلّ بُعدٌ صوفيٌّ صافٍ في اللغة والشخصيات.
رسائل إلى نجيب محفوظ
ووجّهت الكاتبات عددًا من الرسائل إلى نجيب محفوظ؛ فمن جانبها تحدّثت دينا شحاتة أنها لو التقت به كانت ستسأله عن "الضجر": كيف كان يتعامل معه بالنسبة إليه، خاصةً أن المعنى كان واضحًا في أفكار أبطاله.
بينما تحدّثت نهلة كرم أنها كانت ستسأله عن التعامل مع الفراغ كما فعل مع بطله "عمر حمزاوي" بطل رواية "الشحّاذ"، وكانت تريد أن تسأله عن الصفاء الروحاني الذي كان يميّزه.
وأضافت ضحى صلاح: كنتُ سأسأله عن مرحلة الانضباط والروتين: كيف كان يفعل ذلك بالفعل؟
وقالت نورا ناجي: كنتُ سأسأله عن تقنيات الكتابة: كيف كُتبت هذه الروايات؟ كيف كُتب "حديث الصباح والمساء"؟ وكيف صيغت "الحرافيش"؟ وعن شعوره يوم حادث الاغتيال، وعن المثابرة وعودته.

أميرة شحاتة
وعلقت نورا ناجي، أنه رغم هذا العمق الروحي، ظلّ محفوظ شديد الانضباط: يكتب ستة أشهر ويعيش ستة أشهر، وبعد محاولة اغتياله كتب باليسرى بصبرٍ نادر، فالمثابرة عنده شرطٌ وجودي للإبداع، وأن أسئلته الكبرى — المعنى، الموت، الزمن — بقيت مفتوحة؛ ولو سُئل اليوم لظلّ يوازن بين حلم العدل والبحث عن سلام، تاركًا لنا أدبًا حيًّا يتجدّد مع كل قراءة، ويستفزّ أجيالًا لم تولد بعد زمن كتابته، بهذه الصورة، تغدو "الحرافيش" وسائر أعماله مرآةً نعود إليها كلما أردنا أن نتعلّم الكتابة… أو الحياة.
الموت في أدب نجيب محفوظ "حياة"
وتلخّص نورا ناجي حضور الموت في أدب نجيب محفوظ بوصفه سؤالًا وجوديًا مُلحًّا لا فوبيا عابرة، فلم يتعامل محفوظ مع النهاية كفزعٍ معتم، بل كحافزٍ للتأمّل والبحث عن معنى، وسعى إلى درجةٍ من التصالح تقوم على الدهشة أكثر من الطمأنينة، تتردّد لديه فكرةٌ تشبه القول إن الموت "يقظةٌ من سبات"، كما يلمح في "أحلام فترة النقاهة" حيث تلتقي "السيدة عين" رجلًا ميتًا في مقهى الفيشاوي، وحين تعتذر لتأخّرها بأنها كانت ميتة يجيب: "هذا ليس عذرًا"؛ فيُقدَّم الموت كعبورٍ لا يقطع إمكان التواصل.

نورا ناجي في ندوة نجيب محفوظ
وترى ضحى صلاح أن محفوظ لا يرى الموت نهايةً مطلقة، بل بدايةً مختلفة، تجربةً تُقارب دهشة الولادة، لذا ظلّ السؤال مفتوحًا في نصوصه، واقترب في أواخرها من فلسفةٍ تُهدّئ الرعب من دون أن تُلغيه، ويتجاوب ذلك مع انشغاله بالشيخوخة كمرحلةٍ تضع الإنسان على حافة الفناء، في "الحرافيش" يقول شمس الدين: "وما الدعاءُ إلا أن يأتي الأجلُ قبل خَوَر الرجال"، ويبلغ عاشور الناجي معادلته الشهيرة: "الموت حقّ والمقاومة حقّ"، حتى إذا قيل إنها هربٌ جاء الرد: "ومن الهرب ما هو مقاومة". هنا تبدو الكتابة عند محفوظ ممارسةً مقاومةً داخلية: يهجر الفراغ بالعمل المنتظم، ويحاور قلقه الوجودي بالخلق.

علا الشافعي
واتفق الكاتبات على أن فلسفة نجيب محفوظ تتلخص في لقطاتٍ دالّة: تزامُن موتٍ مع شراء حاجيات مولودٍ جديد في "الثلاثية"، أو ازدواج الزغاريد والبكاء لدى "جليلة الطرابيشي" في "حديث الصباح والمساء" يوم وفاة زوجها ومعدّاتِ عرس ابنتها، إنها جدلية الفقد والبداية، والحزن والفرح، والموت والحياة، وفي حياته، كرّس محفوظ هذا المعنى انضباطًا ومثابرة؛ فحتى بعد محاولة اغتياله عاد يكتب بيده اليسرى، هكذا تحوّل خوفه إلى أدبٍ يمنح القارئ حياةً أطول داخل الكتب، فكل عودةٍ إلى نصوصه تُستولد دهشةٌ جديدة ومعنى يتجدّد.

جانب من الندوة

ضحى

في محبة نجيب محفوظ

ملتقى اليوم السابع للثقافة والفنون

ندوة نجيب محفوظ

نهلة كرم في الندوة

Trending Plus