ولادة ثانية فى عُمر مديد.. محاولة الاغتيال بداية جديدة لصاحب نوبل بعدما تخطّى الثمانين.. نجيب محفوظ استكشف العالم مرة أخرى بتعلم الكتابة بيده اليسرى.. وتمرّد على العجز بـ«أحلام فترة النقاهة»

- الطبيب النفسى يحيى الرخاوى ساعده على تجاوز الأزمة.. والحادث لم يمسّ إنسانيته أو يؤثر على إيمانه بعظمة الشعب المصرى
رأيته يخرج من المنزل بابتسامته العريضة، نزلت من العربة، حييته وفتحت له الباب الآخر ليجلس بجانبى.
استدرت وتوجهت إلى الناحية الأخرى، وما أن تهيأت للجلوس على مقعد القيادة حتى رأيت شابا ينحنى عليه، ظننت أنه أحد المعجبين يريد تحيته، لكنى رأيت جسد نجيب محفوظ يهتز هزة شديدة، فانتبهت إلى أن هذا الشاب قد فعل شيئا.
خيل إلى أن الأديب الكبير قال «آه».. لكن فى شموخ ودون أن ينحنى جسده، صرخت على الشاب إنت بتعمل إيه يا مجنون؟! رفع الشاب عينيه إلى، وكان بهما الكثير من الشر والتوتر والتهديد وأسرع بالفرار.
كانت هذه كلمات ووصف الدكتور فتحى هاشم، الذى كان مرافقا للروائى العالمى نجيب محفوظ، فى لحظة تعرضه للاغتيال، على يد أحد الإرهابيين أمام منزله، بحسب ما ذكرها الكاتب سعيد سالم فى كتابه «نجيب محفوظ الإنسان».
وبقدر ما كانت محاولة الاغتيال مؤلمة، إلا أن بها قدرا أيضا من العبثية، التى طالما أبدع نجيب محفوظ فى زرعها فى رواياته، وإلصاقها بشخصياته، فكانت المحاولة وكأنها مشهدا من احدى رواياته، نتأمل منها نجيب محفوظ نفسه كحالة استثنائية فى تاريخ هذا الوطن، لكن الأهم هو الوقوف عند حياة الأديب العالمى بعد محاولة الاغتيال، والنظر إليها باعتبارها مولدا جديدا له، تحمل فى طياتها استكشافا جديدا للعالم، وتمردا مُدهشا على العجز.
كان نجيب محفوظ يُجل الموت فى رواياته، فنراه مُحاطا بهالة من القداسة أحيانا، لكنه لا يتعامل معه باعتباره خط النهاية، بل يأتى فى كثير من الأوقات كبداية جديدة، وهو ما ينطبق كذلك على يوم 14 أكتوبر 1994 الذى شهد مُحاولة اغتيال محفوظ، فالطعنة التى تلقاها الروائى الكبير فى رقبته، لم تُهدد حياته فحسب، بل كادت تُهدد إبداعه أيضا، لكنها لم تستطع.
ربما كانت تفعل ذلك مع شخص آخر، إلا أن الإرادة المذهلة التى تمتع بها نجيب محفوظ، جعلته يعتبر محاولة اغتياله، بداية جديدة، أو لنقل فصلا فى روايته الكبرى.
بتأمل سن محفوظ لحظة محاولة الاغتيال، سنجد أنها كانت تقترب من الثانية والثمانين، ما يعنى أنه كان فى ذروة مرحلة الشيخوخة، ومع ذلك، فقد قاوم محفوظ التأثير السلبى للطعن ومحاولة الاغتيال، ورغم عدم القدرة على الكتابة، إلا أنه حاول الكتابة بيده اليسرى كطفل صغير فى بداية حياته، وقد يستعين بالأصدقاء والمُحبين لمساعدته على القراءة والكتابة، حتى الخروج بين الناس وفى الشوارع التى اعتاد ارتيادها، كان حريصا على ألا يقطع تلك العادة، وإن كانت تتبعه حراسة مُشددة فى كل مكان، بل الأهم من كل ذلك، أنه استطاع أن ينجز رائعته «أحلام فترة النقاهة»، وهى واحدة من أبرز إبداعات نجيب محفوظ على الإطلاق.
كان من الممكن أن ينجح الاكتئاب فيما فشلت فيه محاولة الاغتيال، لكن حتى اكتئاب ما بعد الواقعة، نجح محفوظ فى تخطيه، بفضل روحه المرحة التى تقفز على الصعاب دائما، وبفضل الإيقاع الروتينى الذى اعتاده منذ بداية حياته، وكذلك بفضل الأصدقاء الذين ساهموا فى إزالة أثر العداون، مثل الدكتور يحيى الرخاوى، الذى كانت له إسهامات مؤثرة فى رعاية محفوظ، باعتباره طبيبا نفسيا شهيرا، بل إن الدكتور يحيى وضع لنجيب محفوظ روتينا صارما، لأيام الأسبوع، يبدأ من الأحد بلقاء الأصدقاء حتى الجمعة فى منزل الرخاوى بالمقطم، بينما يكون السبت متروكا لمحفوظ.
هذه ليست قراءة ذاتية لشخصية نجيب محفوظ بعد حادث محاولة الاغتيال، ولكنها قناعات محفوظ نفسه، التى كشف عنها للكاتب الكبير محمد سلماوى، حيث لم يفقد إيمانه بأفكاره أو معتقداته، أو حتى إيمانه بالشعب المصرى لمجرد أنه تعرض لحادث، بل العكس، ظل الإيمان راسخا فى قلبه.
وعن ذلك يقول محفوظ: «لم أتأثر فى شىء، فإنى أجد أن ثقتى بهذا الشعب ما زالت كما كانت ونظرتى للإرهاب ورفضى له ما زال أيضا كما كان، وإن كانت هناك ضرورات إجرائية فُرضت على ولم أخترها فهى ضيق يجب أن أتحمله، لكنها لا تتصل من قريب أو بعيد بقناعاتى الأساسية بهذا البلد ولم تغير معرفتى بشعبه».
بينما يقول لألفريد فرج: «المصريون من الشعوب المتدينة جدا، ويغلب عليهم التعلق بالطقوس والمراسم والعادات الدينية.. وإن أى نقائص فى الشخصية المصرية - كالقدرية وندرة الروح العلمية، وأيضا السلبية فى كثير من الأحيان - إنما ترجع إلى ما ورثته هذه الشخصية من عهود الظلام التى شملتها لآلاف السنين».

Trending Plus