سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 31 أغسطس 1955 .. استقالة صلاح سالم من الوزارة ومجلس قيادة ثورة يوليو ويعود بعد شهور ويرد على الشائعات التى قيلت عن أسبابها وأبرزها دوره فى «انفصال السودان»

كان صلاح سالم واحدا من أعضاء مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952، وبعد قيام الثورة أسندت إليه مناصب وزارية منها، وزير الإرشاد القومى، ووزير دولة لشؤون السودان، حيث تولى بمقتضاه ملف السودان، وقاد المفاوضات مع السودانيين بشأن مطلبهم بالاستقلال عن مصر، وتوفى يوم 18 فبراير عام 1962 متأثرا بمرض السرطان، وكان عمره 41 عاما، ويذكر صلاح الشاهد فى مذكراته «ذكرياتى فى عهدين»: «فى يوم 31 أغسطس - مثل هذا اليوم عام 1955 - قدم الصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد القومى استقالته من الوزارة، وصدر قرار بيان من مجلس قيادة الثورة بقبولها، ولكن لم يشر البيان إلى أسباب هذه الاستقالة»، فى حين يذكر صلاح سالم فى مذكراته، عن «الهيئة العامة للكتاب»، دراسة وتحقيق وتعليق الدكتور عبدالرازق عيسى، أن الاستقالة كانت يوم 28 أغسطس 1955.
يضع صلاح الشاهد ملاحظاته على هذه الاستقالة من واقع أنه كان مديرا للمراسم فى مجلس الوزراء مع بداية ثورة 23 يوليو 1952، ثم كبير الأمناء برئاسة الجمهورية بعد الثورة حتى استقال فى أوائل أبريل 1973، ويقول: «يلاحظ أن هذه الاستقالة ترجع فى ظروفها وملابساتها إلى سياسة صلاح سالم فى السودان، ذلك أنه قام برحلة إلى جنوب السودان برفقة اللواء عبدالحكيم عامر بتكليف من الرئيس جمال عبدالناصر، ثم عرض عليه نتيجة السياسة التى انتهجها فى السودان، لا سيما وقد علم الرئيس عبدالناصر بأن هذه السياسة أغضبت السودانيين، وأدت إلى الفرقة بين صفوف المؤيدين للوحدة مع مصر، بل كانت هذه السياسة من شأنها إلغاء الاتفاقيات التى أبرمت بشأن السودان، وتخللت الرحلة بعض الحوادث المثيرة وسجلت أحداثها فى فيلم سينمائى، ظهر فيه عاريا فى غابات جنوب السودان».
يضيف «الشاهد»: «عند عودته (صلاح سالم) حضر اجتماع مجلس الوزراء لعرض نتيجة رحلته، وبعد أن سرد وقائع الرحلة ناقشه الرئيس عبدالناصر فيما علم به من الانتقادات التى وجهت إليه»، ويذكر الشاهد أنه «كان من رأى صلاح سالم أن يعمل ما فى وسعه لإرضاء السودانيين، ولكن الرئيس عبدالناصر انتقد بعضا من هذه الأساليب، وشعر صلاح سالم بعدم الثقة به، وغضب قائلا: «إننى اعتبر نفسى مستقيلا»، ورد عليه عبدالناصر فى التو واللحظة قائلا: «لقد قبلت استقالتك»، ويعلق «الشاهد»: «فى الواقع أنه لم تكن ثمة استقالة بالمعنى المفهوم ولكن كان الأمر إعفاء وصدر البيان بقبول الاستقالة».
عاد صلاح سالم من استقالته بعد شهور، وطرح سؤالا: «لماذا استقلت من مجلس الثورة ومجلس الوزراء؟»، وذلك فى الحلقة الأولى من مذكراته بجريدة «الشعب» من 4 يونيو 1956»، وكان هو رئيسا لمجلس إدارتها، وكانت ثانى صحيفة تصدرها الثورة فى يونيو 1956، وفى الحلقة الأولى من مذكراته طرح كل ما قيل من همس وشائعات عن استقالته ساخرا منها، قائلا: «قصص وأساطير لاكتها ملايين الألسن تروى وتسمع بين مؤكد وبين مكذب فى النوادى، والصالونات والمقاهى، ودواوين الحكومة وحتى فى دوار العمدة وعلى مصطبة شيخ البلد، فى القرى والنجوع».
يضيف أن البعض ردد بأنه كان سجينا بأحد السجوان الحربية، وآخرين أشاعوا أنه كان محدد إقامته لفترة فى استراحة رئيس مجلس الوزراء بالقناطر الخيرية، وفترة أخرى فى منزله بالعباسية، وشائعة بأنه سافر إلى أوروبا على ظهر المركب «إسبيريا»، وقصة أخرى عن اتهامه باختلاس أربعة ملايين من الجنيهات، وفى رواية أخرى 12 مليونا وكسور، وكان محمود أبوالفتح هو من ردد هذه الرواية، ويقول: «هل سمعت بالرواية التى حرص محمود أبوالفتح وقتها أن يقصها على كل مصرى التقاه فى الخارج أننى اختلست ثلاثة ملايين جنيه أودعتها فى بنوك سويسرا عن طريق زوجتى».
ويتحدث سالم عن السودان، قائلا: «إذا كلمتك عن السودان، فلا بد أن تنظر إلى الأحداث كلها فى منطقتنا العربية بأسرها، تلك الأحداث التى عاصرت معركة السودان وارتبطت بها ارتباطا كاملا، وتشابكت معها تشابكا كليا، فكانت المعركة تدور من بغداد إلى جوبا عند خط الاستواء».
ويذكر: «تاريخ 1899 حمل يوم وقع بطرس غالى (باشا) ورفاقه مع الإنجليز، حمل فى طياته فصل ثمانين فى المائة على الأقل من روابط مصر السابقة بالسودان، ومكن للإنجليز من السيطرة على كل شبر وحدهم فى السودان، وتضمن هذا الوفاق المشؤوم تعطل سريان القوانين المصرية كلها على أرض السودان، ووضعها فى يد الحاكم (الإنجليزى) تحت حكم عرفى مطلق له أن يفعل ما يريد دون نقض أو إبرام، وبهذا بدأ الانفصال الحقيقى بين مصر والسودان، وبدأت بريطانيا توطد أقدامها وأصابعها وتسرب إلى كل شبر فى السودان، وتقطع كل ظل لرابطة بينه وبين مصر مستندة إلى هذه الورقة وإلى قوة إمبراطوريتها التى كانت لا تغيب عنها الشمس، وظل الحال هكذا إلى أن جاء عام 1924 وفيه بدأت المرحلة النهائية للانفصال الواقعى الكامل بين شطرى الوادى.

Trending Plus